صديق الحسيني القنوجي البخاري
248
فتح البيان في مقاصد القرآن
خارج مخرج التعجب منه من عدم اهتدائه لمواراة أخيه كما أهتدى الغراب إلى ذلك فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي يعني فأستر جيفته وعورته عن الأعين فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ قيل لم يكن ندمه ندم توبة بل ندم لفقده لا على قتله وقيل غير ذلك . روي أنه لما قتله اسودّ جسده وكان أبيض ، فالسودان من ولده وكان آدم يومئذ بمكة فاشتاك الشجر وتغيرت الأطعمة وحمضت الفواكه فقال آدم قد حدث في الأرض حدث ، فأتى الهند فوجد قابيل قد قتل هابيل ، قال الزمخشري ويروى أنه رثاه بشعر ، وهو كذب بحت ، وما الشعر إلا محول ملحون ، وقد صح أن الأنبياء عليهم السلام معصومون من الشعر « 1 » . قال الرازي : ولقد صدق صاحب الكشاف فيما قال فإن ذلك الشعر في غاية الركاكة لا يليق بالحمقاء من المتعلمين فكيف ينسب إلى من جعل اللّه علمه حجة على الملائكة . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 32 ] مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ( 32 ) مِنْ أَجْلِ ذلِكَ القاتل وجريرته وبسبب معصيته ، وقال الزجاج : أي من جنايته قال يقال أجل الرجل على أهله شرا يأجل أجلا إذا جنى ، مثل أخذ يأخذ أخذا كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أي فرضنا وأوجبنا عليهم يعني أن نبأ ابني آدم هو الذي تسبب عنه الكتب المذكورة على بني إسرائيل ، وعلى هذا جمهور المفسرين ، وخص بني إسرائيل بالذكر لأن السياق في تعداد جناياتهم ، ولأنهم أوّل أمّة نزل الوعيد عليهم في قتل الأنفس ووقع التغليظ فيهم إذ ذاك لكثرة سفكهم للدماء وقتلهم للأنبياء . وهذا مشكل لأنه لا مناسبة بين واقعة قابيل وهابيل ، وبين وجوب القصاص على بني إسرائيل ، قال بعضهم هو من تمام الكلام الذي قبله ، والمعنى فأصبح من النادمين من أجل ذلك ، يعني من أجل أنه قتل هابيل ولم يواره ، ويروى عن نافع أنه كان يقف على قوله من أجل ذلك ويجعله من تمام الكلام الأول . فعلى هذا يزول الإشكال ولكن جمهور المفسرين وأصحاب المعاني على أنه ابتداء
--> ( 1 ) روى السيوطي في الدر المنثور 2 / 489 ، أن ابن جرير أخرج عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه قال : لما قتل ابن آدم بكى آدم فقال : تغيرت البلاد ومن عليها * فلون الأرض مغبر قبيح تغير كل ذي لون وطعم * وقل بشاشة الوجه المليح والبيتان من الوافر ، وقد نسبا لآدم عليه السلام أيضا في خزانة الأدب 11 / 377 ، والدرر 6 / 214 .